محمد إبراهيم الحفناوي
340
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
فمولانا جل شأنه منزه عن أن يوصف بالبداء لأن البداء ينافي إحاطة علم اللّه سبحانه ، بكل شئ ، ولكنه غير منزه عن النسخ ، لأن النسخ لا يعدو أن يكون بيانا لمدة الحكم الأول على نحو ما سبق في علم اللّه تعالى ، وإن كان رفعا لهذا الحكم بالنسبة لنا ، وعليه فلا علاقة بين النسخ والبداء ، لأن النسخ ليس فيه تغيير لعلم اللّه تعالى ، بخلاف البداء فإنه يفترض هذا التغيير . فالنسخ يقوم على تغيّر في المعلوم مع ثبات العلم نفسه على ما كان منذ الأزل ، والبداء يقوم على تغير في العلم نفسه . ومن هنا لما خفى الفرق بين النسخ والبداء على بعض فرق اليهود والرافضة أنكرت اليهود النسخ وأسرفوا في الإنكار لاستلزامه في زعمهم البداء وهو محال . والحق أن هذا الفهم من قبل اليهود سقيم لما ذكرت من أنه لا تلازم بين النسخ والبداء ولوضوح الفرق بينهما . أما الرافضة فأثبتوا النسخ ، ثم أسرفوا في إثبات البداء اللازم له في زعمهم ، ونسبوه إلى اللّه تعالى في صراحة ووقاحة - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - وقد تشبثوا بآثار نسبوها إلى أئمة طاهرين تعضد - في زعمهم - ما ذهبوا إليه منها : أن الإمام علىّ كرم اللّه وجهه قال : لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة . ومنها : أن جعفر الصادق رضى اللّه عنه قال : ما بدا للّه تعالى في شئ كما بدا له في إسماعيل عليه السلام - أي في أمره بذبحه - . ومنها : أن موسى بن جعفر رضى اللّه عنه قال : البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : المعتمد 1 / 368 ، وأصول السرخسي 2 / 25 ، والمنخول 288 ، 289 ، والمستصفى للغزالي 1 / 110 ، والإحكام للآمدى 2 / 164 ، وحاشية البناني 2 / 88 ، ومناهل العرفان 2 / 79 .